حسن الأمين
49
مستدركات أعيان الشيعة
مثل الدولة الصفوية لانتهى بها إلى السقوط لا محالة . ولكن الشاه إسماعيل كان يتمتع بكثير من الذكاء والدهاء وحسن التدبير ، فلم يكن يقبل بتقاليد التركمان والمغول وأعرافهم الفاسدة ، التي خلفها الأتراك الطورانيون في إيران ، وتقليد التقرير هو كما يلي : حينما يكون في الدولة وزيران أو أميران متنفذان في إدارة الدولة ، ويبدءان في التنافس فيما بينهما ، يعمد أشرهما طبعا وأسوؤها عنصرا إلى تحين الفرص للإيقاع بصاحبه ، وحينما يرى الملك المنغمس في اللهو والمتعة يحتاج إلى المال ، يبادر إليه قائلا : لو أمكنني الله من فلان ( خصمه ) لقدمت كذا مبلغا من المال ثم اتبعته فيما بعد باخر ، ودون أن يلتفت الملك إلى سوء طبع هذا الوزير وفساد أخلاقه ودون أن يراعي الخدمات التي قدمها الوزير الآخر ، يأخذه الطمع فيقبل المبلغ ويأمر بتسليم الوزير الذي شمله التقرير لعدوه ومنافسه ليفعل به ما يشاء ، ومن الطبيعي أنه يتعرض للتعذيب ومصادرة أمواله وغالبا ما تزهق روحه تحت التعذيب . وكان تقليد التقرير شائعا في زمن السلاجقة وتكرر حدوثه في زمن المغول وحكومة التركمان ولكنه اقترح لأول مرة في زمن الدولة الصفوية من قبل القاضي محمد الكاشي ودفن معه ، فلم يجرؤ شخص بعدها على اقتراحه طوال عمر الدولة الصفوية حيث منع رجال البلاط وكبار موظفي الدولة من اللجوء إلى هذه العادة المنكرة . ومن الطبيعي أن يعد الشاه إسماعيل من أهم أركان العدالة في إيران بقضائه على هذا التقليد الفاسد . وخلاصة القول : إن القاضي محمد بعد أن رأى تفاقم أمر الأمير نجم وتعاظم شانه وسيطرته على أزمة الدولة وشئونها الإدارية والعسكرية ، أخذ يكيد له ويسعى للقضاء عليه بأنواع المكايد والحيل . إلا أن جهوده كانت تذهب هباء في كل مرة ، ولذلك بادر إلى ما هو أخطر ، فقد كان ذات يوم جالسا مع الشاه إسماعيل في مجلس لهو وأخذ يتجاذب معه أطراف الحديث حتى وصل الأمر إلى الأمير نجم فقال له القاضي : إن الأمير نجم قد أخذ من خزانة الدولة مبلغا قدره عشرون ألف تومان ، فإذا أوكل أمره إلي فسأسترد منه إلى الخزينة مبالغ طائلة وسترى مني في إدارة شؤون البلاد غاية الخبرة والحكمة . ( والمقصود بالتومان هنا هو التومان الذي يعادل عشرة آلاف دينار أو مال يقارب مائة مثقال من الذهب الخالص ) . وحينما سمع الملك الشاب ذو العاطفة الجياشة تقرير القاضي الشرير أعرض بوجهه عنه وغير مجرى الحديث ، لأن القاضي محمد قد فضح بتقريره هذا طبيعته الخبيثة ولؤمه وفساد خلقه ، وتعرف الملك على حقيقته التي كان عليه أن يتعرف عليها منذ زمن بعيد ، وأضمر الأمر في نفسه ثم صارح به الأمير نجم بعد أيام وبعد ذلك أمر بتسليم القاضي محمد إلى الأمير نجم لمجازاته . وكان الأمير نجم رجلا شريفا طيب القلب فعزم على مؤاخذته باللين وتغريمه مبلغا من المال ليعفى عن جريرته ولكن العديد من الناس شكوا منه ومن المظالم التي ألحقها بهم بعد أن كانوا يخافون سطوته فلا يجرؤن على النيل منه أو الشكوى من مظالمة ، فبدأت قبائحه تنكشف للعيان شيئا فشيئا حتى أصبحت عقوبته لا بد منها . فاجتمع الديوان الأعلى وثبتت جرائمه وفضائحه فأمر الملك بقتله فقتل . وكان القاضي محمد يحمل عنوان الصدارة ، إلا أنه في الحقيقة تجاوز هذا العنوان ليتدخل في جميع مهام وظائف كبار الوزراء والأمراء ، وعند ما قتل آلت الصدارة إلى الأمير شريف الدين علي وهو أحد أبناء الأمير السيد شرف الدين علي [ الپورپاني ] الگوركاني . وكان هذا السيد محمود الطبع والسيرة ، لائقا بانتسابه إلى جده السيد شريف [ الپورپاني ] الگوركاني ، فباشر فور تصديه لمنصب الصدارة إلى إصلاح الأمور القضائية وضمان الأمن الاجتماعي وتطوير المدارس والحوزات العلمية وسعى جاهدا في إنفاق أموال الأوقاف في مواردها المقررة . احتلال بلاد شيروان توجه الشاه إسماعيل إلى أصفهان بعد فراغه من أمور فارس والموانئ ، فأقام فيها وباشر بتعميرها وتوسيعها وتزيينها ومن ذلك قيامه بتوسيع ميدانها الذي كان آنذاك صغيرا وضيقا وتزيينه بأنواع النقوش والأعمال الفنية الأخرى ، فأسماه بعد اكتماله بميدان ( نقش جهان ) الذي نشط حفيده الشاه عباس الكبير فيما بعد بتعميره وإحداث تغييرات جديدة فيه . وبعد الفراغ من بناء الميدان وتزيينه غادر الشاه مدينة أصفهان متوجها إلى همذان فامضى فيها فصل الصيف ثم توجه إلى آذربايجان ، وما إن سمع أهالي تبريز بقدوم موكب ملكهم المحبوب حتى أسرعوا إلى لقائه وأقاموا الاحتفالات والأفراح بهذه المناسبة بعد غيابه الطويل . وخلال هذا السفر أصيب الأمير نجم بالحمى ثم اشتدت عليه ، فلما غادرت قوات القزلباش مدينة تبريز وتوجهت إلى شبستر وسواحل بحيرة أرومية التي تميزت باعتدال مناخها في فصل الشتاء ، فارق الأمير نجم الحياة ، فأمر الشاه بنقل جسده إلى النجف الأشرف . وكان الأمير نجم رجلا مدبرا حكيما وجديرا بمنصبه ، ومن